السيد كمال الحيدري
256
شرح كتاب المنطق
ونضرب مثالًا آخر لتقريب الفكرة ، وهو قولنا : كلّ أربعة هي زوج ، فأيّة أربعة هذه التي حكمنا بكونها زوجاً ؟ هل هي الموجودة خارجاً بحيث لو كانت في الذهن لا تكون زوجاً ؟ أم الموجودة في الذهن بحيث لو كانت خارجاً لا تكون زوجاً ؟ إنّ الحكم عليها بالزوجية إنَّما هو حكم على ماهيَّتها يلازمها ولا ينفكّ عنها ، إذن القضية الحقيقية هي : ما حُكم فيها لطبيعة الموضوع الأعمّ من الخارجي والذهني . وهذا هو ضابطها ، وهذا من الأمور الدقيقة والمهمّة التي فيها كلام كثير ، لاسيّما في علم الأصول ؛ حيث لا يكاد يخلو مكان فيه من التصريح بأنّ القضايا الشرعية قضايا حقيقية ، وهنا نسأل : إنّ قوله ( عليه السلام ) : « كلُّ ماء طاهر » ، هل الطهارة حكم لطبيعة الماء أم للماء الموجود في الخارج ؟ وكذا قوله ( عليه السلام ) : كلّ خمر نجس ، أو يحرم شربه ، وقولنا : كلّ كذب حرام ، هل طبيعة الخمر حرام وطبيعة الكذب حرام ، أم الخمر والكذب محرّمان بشرط وجودهما الخارجي ؟ وكذا قولنا : الصلاة واجبة ، هل المقصود صورة الصلاة واجبة بحيث إذا تصوّرت الصلاة تعتبر ممتثلًا للأمر ، أم الصلاة الخارجية واجبة ؟ أم طبيعتها واجبة ؟ لا شكّ في أنّ الشارع أراد محكي هذه الصور في الخارج ، وهو طبيعة كلّ واحدة منها . إذن ضابط القضية الحقيقية هو : أن يكون الحكم للطبيعة بما هي في نفس الأمر ، أعمّ من أن تكون موجودة بوجود خارجي أو وجود ذهني ، لأنّ الطبيعة - بما هي - لا وجود لها ، بل هي إمّا موجودة بوجود خارجي أو ذهني ، لكنّ هذا الحكم ليس للوجود ، بل للماهية ، وإن شئت فقل : هو حكم الوجود أعمّ من أن يكون خارجياً أو ذهنياً . وفي ضوء هذا اتّضح الفرق بين القضية الذهنية والخارجية والحقيقية ، فإنّ الحكم في الذهنية للوجود الذهني ، وفي الخارجية للوجود الخارجي ، وفي الحقيقية للوجود الأعمّ من الخارجي والذهني .